فخر الدين الرازي

88

المطالب العالية من العلم الإلهي

وكان هذا الرجل قد ظن أن هذا الرجحان لما لم يكن بسبب أمر مغاير ، وجب أن يكون لذاته ، فحينئذ تكون ذاته مقتضية لهذا الرجحان ، وذلك يناقض قولنا : إن هذه الذات غير مقتضية للرجحان ، إلا أن هذا الكلام إنما يصح لو ثبت أن حصول الرجحان [ إذا لم يكن لغيره وجب أن يكون لذاته ، وهذا إنما يصح لو ثبت أن حصول الرجحان ] « 1 » لا لذاته ولا لغيره محال ، فإذا ادعى العلم البديهي بهذه المقدمة ، كان ذلك تركا للاستدلال وإن ادعى تقريرها بالدليل . فنقول : قد ثبت أن صحة الدليل [ الذي ذكرتموه « 2 » ] موقوف على صحة هذا المطلوب ، فلو وقفنا صحة هذا المطلوب على ذلك الدليل لزم الدور ، وأنه باطل . إذا عرفت هذا فنقول : الذي يعول عليه في إثبات هذا المطلوب وجوه : الأول : أنا قد بينا أن العلم البديهي حاصل بافتقار المحدث إلى المؤثر ، وبينا أيضا : أن علة تلك الحاجة إما الحدوث أو الإمكان أو مجموعهما ، وبينا أيضا أن الحدوث ليس علة تامة ولا شطر العلة ولا شرطا لها ، فكان ساقطا عن درجة الاعتبار بالكلية ، وإذا سقط الحدوث عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الإمكان وهذا يدل على أن علة الحاجة هي الإمكان . الحجة الثانية في تقرير هذا المطلوب : أن نقول : لا شك أن الممكن هو الذي تكون نسبة الوجود إليه كنسبة العدم إليه ، وما دام يبقى هذا الاستواء ، فإنه يمتنع حصول الرجحان ، لأن الاستواء التام يناقض [ حصول ] « 3 » الرجحان . فثبت : أن دخوله في الوجود موقوف على حصول الرجحان وهذا الرجحان لما حصل بعد أن لم يكن ، كان أمرا وجوديا ثبوتيا ، والصفة الوجودية الثابتة لا بدّ لها من موصوف موجود ، ويمتنع أن يكون [ الموصوف بهذه الصفة الوجودية هو وجود ذلك الشيء ، لأنا بينا أن حصول هذا ] 4 الرجحان سابق على وجود الممكن سبقا بالرتبة [ لكن المحل سابق على ما يحل فيه سبقا بالرتبة ] 5 . فلو قلنا : إن

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( س ) .